fbpx
رحلات غوص

حكايتي مع محمود القرش

حكايات غطاس عجوز ... الحلقة الثامنة

الكابتن محمود المرزوقي رحمه الله، لم يكن فقط علما من أعلام الغوص في البحر الأحمر ولكنه كان علي الصعيد الشخصي إنسانا متفردا مختلفا ولا نزكي علي الله أحدا، لا يعنينا هنا أن نصف ضخامتة البدنيه وزرقة عينيه المتميزة ولحيته الكثة مع وسامة وجهه، فقد كان محمود ذلك كله وأكثر، إنما ما يعنينا هنا هو وصف طيبة وصفاء قلبه المتناهيين، وتواضع خلقه والتزامه و”جدعنته” فقد كان بحق جديرا بلقب “أبو الرجاله”، ومن المفهوم أنني بكلامي هذا عنه لا أحاول أن أعظم قدره أو أجامله فلن ينفعه ذلك وهو بين يدي خالقه، ولكني ببساطة أريد أن أوثق حاله لمن لم يعرفه ونحن بصدد فرد الحديث عنه كما طلب مني الكثيرون في الآونة الأخيرة.

كنت ومحمود من سن واحد تقريبا ولم تكن تربطني به علاقة عمل، ولكن مودة شديدة واحترام، وكنا جميعا نلجأ إليه عند الضرورة فقد كانت علاقاته الشخصية وثيقة متشابكة ولا تعجزه المشاكل فيحلها بسهولة ويسر عجيبين، ولا يذكر أحدنا ممن عاصره أنه قد تقاعس أو امتنع عن نجدة أو مساعدة أي مخلوق مهما صغر شأنه إذا طلب منه ذلك أو لم يطلب، وقد تزاملت مع محمود القرش في معظم كورسات وندوات ودورات CMAS الدولية التي كانت تعقد في الغردقة، لأننا كنا من ضمن القلائل الحاصلين علي درجة مدرب ثلاث نجوم، وفي كل تلك الأحداث كنا نزداد قربا وترابطا، ثم جمعنا مجلس إدارة جمعية البحر الأحمر التي كان محمود فيها مثل “رمانة الميزان” لا يبغي مصلحة شخصية ولا يتستر علي فاسد، كان رحمه الله قدوة في العمل الجماعي والتطوعي فلا ننسي له مواقفه في سالم إكسبريس وعبارة السلام ولجان فض المنازعات وغيرها مما لم يمكن توثيقه، وإني إذ أكتب ذلك المقال أهيب بالقارئين ممن عرف أو زامل محمود أن يثبت في التعليقات موقفا أو معلومة أو تجربة شخصية علها توضح أو تزيد من التعرف علي مثل هذا الأسطورة.

في عام 2006، وهي نفس سنة وفاة القرش كان الابن العزيز “مجدي مدرك” معنيا بإدارة مركز الغوص في فندق والده بالغردقة وكان قد ابتدع تقليدا جديدا وحميدا وهو أن يجمع حوله من يستطيع من الغواصين المخضرمين في شبه منتدي للم الشمل وإحياء الذكريات، ومن ثم فقد عرض أن نقوم سويا بغوصات جماعية متميزة واقترح أن يكون أولها علي المركب الغارق في شبرور أم جمر فتحمسنا جميعا وحددنا الموعد، وفعلا انطلق بنا لنش مركز الغوص من قرية “سي جل” ومعنا محمود القرش فقمنا بالغوص في مجموعات متعددة علي أعماق متباينة كل حسب رغبته وخبرته، وكان يوما ناجحا تمني جميعنا أن يتكرر.

وما لبثت أن وُجهت لنا الدعوة جميعا بعدها بفترة وجيزة من نفس المركز للقيام بغطسة عميقة أخري بنفس اللنش فاستجاب معظمنا، وكنا علي سقالة القرية في التاسعة صباحا من ذلك اليوم وكل منا يحمل معداته الشخصية، فأحدنا يستعمل اسطوانة مزدوجة والآخر يحمل اسطوانة إضافية بينما يحمل آخرون اسطوانات ذات سعة أكبر، ولا تسعفني الذاكرة فأعدد من شاركوا في الغطستين بالتحديد ولكن أذكر أسماءً قد تكون قد تواجدت في المرتين أو إحداهما ومن هذه الأسماء: المضيف مجدي مدرك طبعا وكريم هلال وهشام طموم وأيمن طاهر وإبراهيم محفوظ وتامر رياض وعصام كحيل وآخرون، المهم أن محمود القرش كان من ضمن الذين لم يظهروا ذلك اليوم رغم تأكيده علي رغبته في الحضور في الليلة السابقة، وفشلت كل محاولات الإتصال به ذلك الصباح فكان لا يرد علي تليفونه المحمول، وكان رحمه الله له عادة غريبة، فكان من حرصه علي صلاة الفجر في جماعة فإنه يبقي طوال الليل ساهرا داخل أو خارج منزله، ثم يقوم بعد الصلاة بالنوم حتي الظهر حتي أننا كنا لا نكلمه إلا بعد صلاة الظهر إذا أردنا التواصل معه، المهم أننا كنا قد عزمنا علي تركه والطلوع بدونه لتنفيذ تلك الغوصة الجماعية في “عرق سُميه”، وهو شعب في أقصي شمال شرق جزيرة الجفتون الصغير يتميز بجمال وتنوع الشعب والأسماك فيه، ولكنه يقع علي بعد ليس بالكبير من جرف عميق ناحية الشرق ويبدأ من عمق حوالي ال 100 متر ساقطا لأسفل، وأثناء التجهيز للطلوع حدث أن اثنين من الغواصين المخضرمين قد نسوا أو تناسوا بعض معداتهم، فتعطل طلوع اللنش حتي حوالي الحادية عشرة صباحا، وعندها رن تليفوني فإذا به القرش يعتذر عن عدم تمكنه من الرد ويتمني لنا غطسة سعيدة ظانا أننا قد تحركنا فعلا بدونه، ولكني أكدت له أننا ما زلنا علي السقالة وأننا سوف ننتظره حتي يجيء، فاعتذر بشياكة بحجة أنه سيتأخر لأن معداته ليست جاهزة وأنه لم يكن قد شحن إسطوانة الغوص الشهيرة سعة 18 لتر الخاصة به بعد، فقلت له بالحرف جملة لم ولن أنساها ماحييت “هانستناك ياحوده، والله العظيم ماهانطلع من غيرك” فأسقط في يد الرجل وقام ليجهز نفسه فترك منزله في مركز الجفتون السياحي ومر بمركزه للغوص في “سونستا” ليحضر عدته ثم ظهر علي السقالة حوالي الثانية عشر والنصف ظهرا وياليته ماحضر!

ربطنا علي عرق سميه حوالي الثانية بعد الظهر وقام الغواصون بتحديد المجموعات، وقد قررنا أنا ومحمود القرش وابراهيم محفوظ أن نكون في مجموعة واحدة، قفزنا إلي الماء واحدا تلو الآخر فتباعدنا لوجود تيار سطحي قوي شمالي جنوبي فانتهي الأمر بنا أن بدأنا الغوصة، لا يري أحدنا الآخر وهذا طبيعي في مثل تلك المستويات فنحن دائما نغوص بمفردنا “سولو” للتصوير أو حتي الترفيه، المهم أني أذكر جيدا أني بعد فترة من بداية الغوصة قد رأيت محمود القرش علي بعد يسبح فوق القاع علي عمق حوالي 75 مترا مادا يديه أمامه فيما يشبه سباق السباحة بالزعانف ومتجها ناحية الشرق حيث يقع الجرف العميق، فحاولت لفت انتباهه باصدار صوت تحت الماء فلم يلتفت وكان أبعد وأسرع من أن يمكنني اللحاق به، واختفي عن ناظري فأكملت غطستي ولحقت بشعب الجزيرة وقابلت إبراهيم محفوظ أثناء وقفات الديكو ووجدنا طريقنا إلي اللنش، بعد وقت ليس بالقصير وانتظرنا تحته لإنهاء باقي الوقفات وقد سأل كل منا الآخر عن محمود فكانت إشارة الرد أن لا أدري، ولكننا ظننا أنه لا بد وأن يكون قد سبقنا إلي السطح، وفي آخر وقفة علي 3 أمتار وكان قد تبقي لي من الوقت حوالي 7 دقائق كما بين الكمبيوتر، فوجئت بالزميل هشام طموم وقد نزل إلي كاتما نفسه يهزني من كتفي فالتفت إليه فسألني “أين الثالث” يعني محمود القرش، فأشرت أني أظن أنه قد صعد من زمن، فأشار أن لا لم يصعد فأيقنت أننا في حالة طوارئ فتركت الوقفة وأسرعت وإبراهيم إلي السطح وهناك اتضحت المأساة، كنا آخر الفرق تحت الماء لأننا نفذنا أطول الغطسات ولم يكن محمود قد رجع أو لاح في الأفق، قمنا بحل رباط اللنش والبحث علي وجه الماء مع التيار حتي جاوزنا جزيرة أبو رمادا جنوبا ثم شرقا وشمالا وأصبح الأمر يزيد تعقيدا ويأسا بمرور الوقت، ولما لم يكن لدينا أي هواء متبقي كما أنه لا يستطيع أحدنا أن ينفذ غوصة أخري، فإننا قد اتصلنا بمن أمكننا الوصول إليه من الزملاء وبعد حوالي الساعة جاء إلينا لنش سريع عليه حامد عبد الله ومحمود إبراهيم ومحمد حبيب، وبعده لنشان محملان بالغواصين والمعدات أذكر منهم علاء عبد الجليل وعصام مهران رحمهما الله، وقام العديد من الغواصين بالغوص للبحث ولكن بلا جدوي كالمتوقع، غادرنا الموقع لا يكلم أحدنا الآخر وكأن علي رءوسنا الطير فقضينا ليلتنا مهمومين، وفي صباح اليوم التالي توجهنا بلنش آخر إلي الموقع وقام الأخوان حسن وأحمد عدلي بالغوص باستخدام معدات الغوص التقني فمسحا حرف ذلك الجرف علي عمق حوال ال 100 متر ولم يجدا أثرا يذكر، واستقر الرأي علي أن محمود رحمه الله قد تجاوز الحرف ونزل ولم يستطع العودة والله أعلم. 

بعدها بأيام قليلة وفي يوم جمعة قمنا بالرباط بلنش غوص علي حرف الجرف الساقط وقد استعنا بشركة من شركات خدمات البترول لمسح المنطقة بكاميرا مركبة علي جهاز يدار بالريموت من علي اللنش (ROV) وكان الأمر أشبه بالكابوس، فإن كاميرا الجهاز عند تجاوز هذا الحرف علي 100 متر لم تلتقط إلا سوادا حالكا ساقطا لأسفل ليس له من قرار، أيقنا جميعا أنه لو كان محمود رحمه الله قد سقط هناك فلا رجعة له ولا أمل في انتشال.

ترك هذا الخطب الجلل فينا أثرا وجرحا عميقا، وخصوصا أنا فقد كنت من ألح عليه ودفعه دفعا إلي الحضور ثم كنت آخر من رآه علي قيد الحياة وقد مات عن زوجة وابن وحيد هو يوسف محمود الذي لا يزال يقيم ووالدته في الغردقة، وبعد فترة ربما تكون أسابيع قليلة بُلغت أنا وإبراهيم محفوظ وأيمن طاهر أن زوجة المرحوم ترغب في رؤيتنا في بيتها بالغردقة، فذهبنا ثلاثتنا بعد تحديد موعد لنا نقدم رجلا ونؤخر الأخري وجلسنا نسمع ولا نتكلم ساعة من زمن هي كالدهر لنا، قامت فيها الزوجة بتبكيتنا ولومنا علي ما اعتدنا أن نفعل بأنفسنا من تهور وعدم إحساس بالمسئولية، ولعل تلك المحاضرة كانت من أسباب أننا لم نعد نفعل مثل ذلك بعدها، وقد وضع كل منا نصب عينيه ما آل إليه أمر محمود الذي صار أثرا بعد عين وذكري بعد علم وهو في الخمسين من عمره.

ظل بعض الناس يراودهم الأمل في ظهور بدن أو أثر لمحمود شهورا طويلة بعد الحادث، وفي أحد الأيام تم استدعائي للتعرف علي جثة مجهولة الهوية قد شوهدت علي جزيرة مجاويش الكبيرة، ويظن أنها لمحمود، فذهبت بصحبة الصياد العجوز المتقدم بالبلاغ علي متن لنش صغير حتي صعدنا البر في تلك الجزيرة وهزني مارأيته، كانت الجثة لغواص يرتدي بدلة غوص رمادية، يتضح من لون جلده أنه أوروبي، وجسده ممتلئ ولكنه أقصر كثيرا من جسد محمود القرش، حتي مقاسات قدميه كانت أصغر من أن تكون للقرش ولم تكن رأسه ..موجودة، أبلغت طبعا أنها جثة مجهولة الهوية وستظل كذلك وأن محمود المرزوقي يبقي في عداد المفقودين حتي يصدر حكم من المحكمة بوفاته، ولكن عددا من الناس أصروا أنها جثة محمود وقاموا بطلب تحليل الحمض النووي فجاءت النتيجة تؤكد أنه ليس محمود القرش.

إن محمود المرزوقي قد رحل عن عالمنا مخلفا بعده مجتمع غوص غير الذي كنا نعرفه، وحياة في الغردقة مختلفة لم يألفها بعد من كانوا يعرفونه حق المعرفة، اللهم اغفر لمحمود المرزوقي وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه .. اللهم آمين.

الوسوم

Hossam Nassef

دكتور حسام ناصف، استشاري طب الأعماق، يعمل في مدينتي الغردقة ومرسى علم. ويعمل ايضا في مجال التصوير تحت الماء، والسفاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق