fbpx
رحلات غوص

حكايتي مع الإلفنستون

شعب الإلفينستون أو شعب الشجرا أو عرق أبو حمرا كما يسميه بعض الصيادين هو شبرور غاطس تحت الماء يمتد من الشمال إلي الجنوب قبالة مرسي ووادي الشجرا الذي تقع به قرية شجرا السياحية، والإسم شجرا هو النطق البدوي لكلمة “شقراء” ومعناها المرأة صفراء أو حمراء الشعر وذلك لوجود جبل ساحلي أحمر اللون يمكن رؤيته من البحر ويقع بين قريتي شجرا وكهرمانه وهو نفس سبب إطلاق “أبو حمرا” عليه، وإلفنستون “Elphinstone” هو أدميرال في البحرية البريطانية كان يجوب البحر الأحمر في القرن الماضي بغرض إعداد خرائط مفصلة له، وقد سميت الشعب علي اسمه لأنه كان أول من وصفها.

وفي السنين الأخيرة صار هذا الشعب هو ملاذي الوحيد تقريبا في الغطس فهو يبعد عن القرية التي أعمل بها حوالي 20 دقيقة بالقارب السريع، وحيث أن طبيعة عملي تحتم علي التواجد للطوارئ طوال الوقت، فإن فرصتي الوحيدة هي الإنضمام إلي رحلة السادسة صباحا فأعود إلي شجرا قبل الثامنة والنصف راجيا ومعتمدا علي أن معدل حدوث المصائب يقل كثيرا في مثل هذا الوقت من الصباح الباكر.

ولم يكن هذا الشعب معروفا للغواصين حتي إلا عندما بدأ العقيد حسام حلمي بإنشاء معسكرات متنقلة علي الساحل في المراسي جنوب القصير ومنها مرسي شجرا في عام 89، واستعان باللنش الصغير “بخيت” وهو من لنشات بنك ناصر، الذي نقل الغواصين من البر إلي أماكن الغوص في عرض البحر ومنها إلفينستون.

وفي عام 93 صار معسكر شجرا مركزا ثابتا لشركة البحر الأحمر ثم تم تخصيص الأرض في 96 للشركة من قبل هيئة التنمية السياحية فتحولت إلي مقر دائم وصارت تنمو حتي آلت إلي ما هي عليه الآن.

يمتاز شعب إلفينستون بالتنوع الرهيييييب في الحياة البحرية والشعب المرجانية وكثرة الحيوانات الضخمة كالأقراش والمانتات والدرافيل وغيرها، ولكن ما يجعله غطسة صعبة هو كثرة التيارات البحرية غير المتوقعة حوله وسقوط جوانبه إلي أعماق كبيرة مما يعرض الغواصين من غير ذوي الخبرة إلي كثير من الأخطار.

بدأ نشاطي في الغوص مع الإلفينستون بعد عام 95 فقد كنت أكثر من زيارة المكان لما يربطني من صداقة بالعزيز حسام حلمي، وأخص بالذكر صديقي الرائد هشام مصطفي الذي كان من أوائل من غطست معهم علي ذلك الشعب، وفي أواخر التسعينات كنت وزوجتي نستجيب لطلب المديرين في شجرا للمساعدة في دورات الغطس والإرشاد فقد كان كلانا مدربين مما أعطانا فرصا أكبر لارتياد هذا الشعب. 

وزادت وتيرة غطسي علي الإلفينستون من عام 2000 حيث كنت متواجدا بشجرة بصفة شبه دائمة لتركيب غرفة الضغط هناك، ومنذ ذلك الحين وحتي اليوم يعتبر هذا الموقع مكاني المفضل ومن أكثر مواقع الغطس التي غطستها علي الإطلاق.
كنت قد تركت التصوير العادي “الأنالوج” سنوات لصعوبة تحميض الأفلام حتي استطعت شراء معدات “ديجيتال” عام 2008 فعدت للتصوير وكان من فضل الله علي أن التقطت معظم صور القروش المتميزة لدي في هذا الشعب.

وفي النصف الثاني من عام 2009، صارت الأنباء تتناقل أنه يتم رصد قرش، بل قروش من نوع قرش النمر (تايجر شارك) في إلفينستون وتحديدا فوق المصطبة “البلاتوه” الشمالية منه، وقرش التايجر البالغ يعتبر قمة السلسلة الغذائية في البحر الأحمر، ومن ثم فقد قرر كل غواص ومنهم أنا أن يذهب لرؤية وتصوير ذلك أو تلك القروش، وكانت المفاجأة فقد صار هؤلاء القروش يظهرون في مجموعات أقلها اثنين وأكثرها خمسة، ثم تختفي المجموعة بالكامل بعد أيام ولا تلبث أن تظهر مجموعة أخري وهكذا حتي استمر ذلك السيناريو لأكثر من 40 يوما…… ثم اختفوا كلهم فلم يرجعوا إلي يومهم هذا، كانت بالفعل ظاهرة محيرة لم يستطع أعتي علماء الحياة البحرية تفسيرها، والغريب أنها تزامنت مع مشاهدة أخري غريبة لم تتكرر، فلمدة حوالي الشهر صرنا نجد السمك كامل النمو من نوع ال “Unicorn” نافقا طافيا علي السطح في وسط البحر وعلي مختلف الشعب وعلي البر، ولم تتكرر تلك الظاهرة مرة أخري ولم يستطع أحد أن يفسرها كذلك!

المهم أن تصوير قرش التايجر في البحر الأحمر من الصعوبة بمكان، فهو لا يظهر في كل غطسة، وإذا ظهر فإنه نادرا ما يقترب، وإذا اقترب فإنه يعطيك فرصة واحدة لا ثاني لها لالتقاط صورة له، فوجب عليك أن تتم إعداد الكاميرا بما يناسب الإضاءة والعمق وقوة الفلاشات وسرعة اللقطة حتي لا يهتز ذيله، ثم تنتظر فوق (البلاتوه) الشمالي علي عمق 40 متر تحديدا وبعد حوالي ال 20 دقيقة قد يسعدك الحظ فتري واحدا منهم أو أكثر يتجه إليك مباشرة حتي يقترب ثم يلتفت فجأة مبتعدا وهنا يجب أن تؤخذ اللقطة متمنيا ألا يخذلك ال “أوتو فوكس” الذي قد يضل هدفه فيفسد عليك اليوم بأكمله، وعلي العكس منه فإن قرش اللونجيمانوس هو أسهل القروش في التصوير علي الإطلاق، فهو يروح ويجيء حتي تظن أنه لن يفارقك! 

وعندما اختفي قروش النمر كما ظهروا فجأة فلم نرهم لأيام قررت أن أذهب فأبحث جيدا وآخذ من الوقت ما يكفيني تحت الماء لتأكيد ما إذا كانوا قد غادروا المكان فعلا، ولا أدري كيف أقنعت مدير الغوص في شجرة وكان يومها العزيز أحمد ماهر، أقنعته أنني سوف أغادر مع قارب السادسة صباحا ولكني سأبقي لأرجع مع قارب التاسعة، ولا أدري كيف وافق ولكني كنت مدللا في مجتمع الغطس ونادرا ما يُرفض لي طلب، المهم غادرت مع القارب الأول في السادسة والنصف وأقنعت من عليه من الزبائن أني سأتأخر عنهم قليلا حيث أنني أنتظر صديقا يأتي مع قارب مركز بريكة فيقابلني في إلفينستون لنغطس سويا (كذبة بيضاء يعني)، وبعد أن نزل الغواصون واطمأننت أنهم رجعوا من علي البلاتوه الشمالي قمت بالنزول وعلي ظهري إسطوانة مزدوجة سعة كل منهما 12 لتر، ومعي اسطوانة أخري سعة 3 لتر بها 50 % نيتروكس، المهم أني نزلت علي عمق حوالي الخمسين ففحصت البلاتوه الأمامي حتي آخره ثم سبحت بمنتهي الأريحية أنظر يمينا ويسارا حتي وصلت بعد أكثر من ساعة ونصف الساعة إلي البلاتوه الجنوبي فأكملت وقفاتي مستمتعا بوقتي فقد كان الماء دافئا، ولاحظت في الوقفة الأخيرة أن الجو قد صار عاصفا وتغير تماما عن حاله حين نزولي لدرجة أن اللنشات الرابطة في الشمال قد حلت كلها وانتقلت إلي الجنوب وكثير منها لم يربط لسوء الأحوال بل ظل صابيا، المهم صعدت إلي السطح بجانب البلاتوه الجنوبي فلم أجد أثرا لقارب التاسعة الخاص بشجرا فقد كان بعيدا يحتمي بأحد اللنشات الصابية، ووجدت لنشا وحيدا رابطا علي البلاتوه ولكنه يبعد حوالي 50 متر عني، فقررت أن أغوص إلي 3 أمتار وأقوم بالسباحة إليه تحت الماء، وفي منتصف الطريق رأيت قرشا من نوع اللونجيمانوس يتجه إلي رأسا، وفي هذ الفترة كنا قد كرهناهم وتوجسنا منهم شرا فلم يكن قد مضي علي حادث الهجوم علي السيدة الفرنسية ووفاتها في سان جون إلا بضع أشهر، اقترب مني التعيس كثيرا حتي أنني اضطررت إلي ضرب وجهه بالكاميرا فصار يروح ويجيء حتي اضطرني إلي الرجوع إلي الشعب والإنتظار، تكرر المشهد ثلاث مرات أخري في أحدها كانوا قد صاروا قرشين وفي كل مرة كنت أستعمل الكاميرا ثم أعود إلي الشعب فانتظر، وبعد نصف الساعة لم يعد يري لهم أثر فصرت أرفص الماء رفصا حتي وصلت إلي سلم اللنش الرابط الذي كان يشبه المقصلة في صعوده وهبوطه نظرا لحال الموج، ف”تشعلقت” فيه ولم أجد من أناوله الكاميرا ولا الإسطوانة الصغيرة ولا أدري لعله الأدرينالين الذي مكنني من التسلق بكل هذه المعدات، ظهر قارب شجرا لاحقا فقذفت له المعدات في الماء ثم قفزت علي القارب بصعوبة وقمت مع الريس بلم زبائنه من الماء وعدت معه لا أكاد أصدق نفسي، لم يتسن لأي منا رؤيه قرش النمر بعد ذلك وكنا نسمع بين الوقت والآخر أنه شوهد في جزيرة روكي أو سان جون ومرات تعد علي الأصابع في إلفينستون، ولكنه يظل هو المتهم الرئيسي في التهام السباح من جانب سقالة كهرمانة في 2018

إن إلفينستون حقا من الغطسات المتميزة، صحيح أنه لم يعد غنيا كما كان منذ أكثر من 20 سنة عندما رأيته أول مرة ولكنه مازال يعتبر ال “هاي لايت” في جنوب البحر الأحمر، ويبقي أن أقول إن تنفيذه يتطلب أن يكون الغواص ذا كفاءة عالية وخبرة كافية ليقوم بالغطس بالطريقة التي تكفل له الإستمتاع بمثل هذه المنظومة، ولذلك فإن أغلب مراكز الغطس التي تقدمه كموقع ومنها مركز الغوص بشجرا تشترط أن يحمل الغواص شهادة غواص متقدم “أدفانسد” وأن يكون لديه علي الأقل خمسين غوصة مسجلة.

الوسوم

Hossam Nassef

دكتور حسام ناصف، استشاري طب الأعماق، يعمل في مدينتي الغردقة ومرسى علم. ويعمل ايضا في مجال التصوير تحت الماء، والسفاري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق